حكمت المصري: مناضل جمع بين السياسة والاقتصاد


اخبار الناس. هزاع البراري

يعد رجل السياسة والاقتصاد المناضل حكمت المصري، علامة فارقة في تاريخ الأردن وفلسطين، فهو من الرجال الكبار الذين تركوا بصماتهم خالدة على أكثر من مرحلة تاريخية، فقد كان حاضراً وفاعلاً في غير مجال، سواء اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، حيث شكلت القضية الفلسطينية هاجسه المركزي، فقد أدرك مبكراً خطورة المشروع الصهيوني الغربي على فلسطين، لذا بدأ مسيرة النضال والمواجهة منذ بواكير شبابه، وبقي طوال مراحل حياته يدافع عن قضية العرب الأولى، ولم يخش يوماً دفع الثمن مهما غلا، وهو صاحب سيرة غنية بالعمل والإنجاز، فقد ترك في الأردن وفلسطين من العمل الصالح، والمؤسسات الوطنية، ما يذكر به، فلا يغيب ذكره بين الناس، حيث ترك فينا من الخير والخلف الصالح ما يخلد ذكره، ويحافظ على نهجه الوطني وحسه القومي الأصيل.

ينتسب حكمت طاهر المصري إلى عائلة نابلسية عريقة، عرفت بالثروة والزعامة العشائرية، نظراً لعراقتها وأنشطتها الاقتصادية والسياسية، بالإضافة إلى مكانة اجتماعية تجذرت منذ عقود طويلة، ومازالت عائلة المصري تنهض بدور بارز في الأردن وفلسطين، وهي صورة ناصعة عن متانة الوحدة الوطنية من خلال التحليق عالياً في فضاء الوطن الكبير وقلبه نهر الأردن النابض بالقداسة والتاريخ.

 فقد ولد حكمت المصري عام 1907، في مدينة نابلس ، والتي تعد مركزاً إدارياً لوسط الأردن وفلسطين إبان الحكم العثماني، فقد كانت تتبع لها أقضية من شرق الأردن كالبلقاء وغيرها، حيث عدت من الحواضر العربية الفاعلة، وقد نشطت فيها الحياة العلمية والفكرية، وشهدت حراكاً ديموغرافياً واسعاً، وقد ارتبطت مع مدينة السلط بصلات عديدة، حيث تداخلت المدينتين بعلاقات وصلات في كثير من المجالات حتى يومنا هذا. مما أضفى غنىً اجتماعياً واقتصادياً، بالإضافة إلى تنوع ثقافي منتج، قدم رجال دولة وقادة فكر وأصحاب إبداع.

لقد نشأ حكمت المصري متأثراً بما زخرت به مدينة نابلس من حراك ثقافي وتجاري وسياسي، بالإضافة إلى المناخ الأسري الغني بالخبرات والمعارف، فوالده كان زعيماً عشائرياً ومن أبرز أعيان نابلس، وكانت له مكانة مرموقة لدى أبناء نابلس، ولدى مؤسسات الدولة في الحقبة العثمانية وما تلاها، وكان صاحب حظوة بما تمتع به من ذكاء وبعد نظر وجدية في العمل والنضال.

 لقد ارتبط حكمت المصري بـ " النجاح " مدرسة وجامعة، فقد درس في مدرسة النجاح ، والتي تعد من أولى المدارس الثانوية في نابلس ومحيطها، حيث خرجت عدداً كبيراً من رجالات فلسطين والمنطقة، وقد تشبع بالأجواء النضالية المبكرة، والتي أنعكس أثرها داخل مدرسة النجاح، لذا بدأ وعيه السياسي بالتشكل، مدركاً بدء بروز الخطر الصهيوني المدعوم من بريطانيا والغرب في فلسطين.

تخرج حكمت المصري حاصلاً على شهادة الثانوية العامة من مدرسة النجاح عام 1924، ولم يكن ذلك نهاية المطاف، فقد كان محباً للعلم وتواقاً للمعرفة، لذا عزم على مواصلة مشواره العلمي، فسافر إلى لبنان ليلتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، وكانت هذه الجامعة أحد أهم معاقل الفكر القومي العربي، وقد خرجت عدداً من رجالات العرب في تلك المرحلة، من قادة الفكر والرأي، وقد خرج من حرم الجامعة حركات سياسية، وتشكلت كيانات حزبية رئيسية، ولا شك أن حكمت المصري قد تأثر بالفكر القومي، وقد تفتح وعيه على آفاق واسعة، مستفيداً من الأجواء الثقافية والعلمية داخل الجامعة، ومن الحركة الثقافية في مدينة بيروت، حيث تمكن من خلال وجود عدد من الصحف والمجلات المهمة، من الاطلاع على ما يجري في العالم من أحداث، وما تشهده المنطقة وبالأخص فلسطين من مؤامرات ومخططات، ولعل وعيه النضالي قد تجذر بشكل أكثر وضوحاً خلال هذه الفترة.

في عام 1929 تخرج حكمت المصري من الجامعة الأمريكية في بيروت، حاصلاً على شهادة البكالوريوس في العلوم الاقتصادية والتجارية، عاد بعدها إلى نابلس ليبدأ مشواره مع النضال الوطني والعمل الاقتصادي، فقد أحس بالواجب الكبير اتجاه وطنه وأهله، وضرورة الدفاع عن الأرض والمقدسات، والمساهمة في الوقت نفسه في بناء اقتصاد وطني صلب، لذا كان أحد مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية، وأخذ ينشط داخل الجمعيات والملتقيات والنوادي، كما كان من أبرز المشاركين في نادي التسليح الذي عقد في مدينة نابلس عام 1931، وكان له دور في تأسيس اللجنة القومية في نابلس وعدد من المدن الفلسطينية، وقد جاء تشكيل هذه اللجنة بعد المواجهات التي اندلعت احتجاجاً على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، وقد ضايقت أنشطته النضالية والسياسية الإنجليز الدولة المنتدبة على فلسطين والأردن، لكنه واصل نهجه بصلابة وانتماء حقيقيين.

لقد تركت نكبة عام 1948 وضياع جزء كبير من فلسطين، آثارها العميقة في فكر ووجدان حكمت المصري، لكن ذلك لم يصبه باليأس والإحباط، بل واصل العمل المخلص والدءوب، وبعد قيام وحدة الضفتين تحت مظلة المملكة الأردنية الهاشمية في كيان سياسي واحد، انخرط حكمت المصري في مؤسسات الدولة الأردنية، حيث بادر إلى خوض الانتخابات البرلمانية التي جرت في الضفتين عام 1950، وقد حقق الفوز في هذه الانتخابات، ليكون نائباً عن نابلس في البرلمان الأردني، وقد لعب دوراً فاعلاً في الحياة السياسية الأردنية، فكان حاضراً بقوة في معظم المواقف والأحدث والمناسبات على الساحة الأردنية، لذا فقد خاض الانتخابات مرة ثانية، ليفوز من جديد عن نابلس عام 1956، وكان برلمانياً من طراز رفيع، وقد تميز بحس وطني أصيل عبّر عنه بالعمل والإنجاز.

لم يقتصر نشاطه السياسي على مشاركته بالبرلمان وحسب، فقد كان ناشطاً على صعيد الأحزاب السياسية، وكان أحد مؤسسي الحزب الوطني الاشتراكي، في حين واصل تألقه داخل البرلمان الأردني، حتى تم انتخابه رئيساً لمجلس النواب، وقد جاء ذلك تعبيراً عن مكانته، وتقديراً لجهوده وتميزه في عدد من المجالات، وخلال اضطراب الحالة السياسية في المنطقة في الخمسينيات من القرن الماضي، وانعكاساتها على الأردن، فرضت الإقامة الجبرية على عدد من السياسيين وكان من بينهم حكمت المصري، وهو إجراء مؤقت حتى هدوء الأحوال واستتباب الأمن.

بعد فترة وجيزة عاد حكمت المصري لممارسة نشاطاته السياسية والاقتصادية، وكان قد دخل الحكومة عندما أسندت إليه حقيبة وزارة الزراعة في حكومة فوزي الملقي عام 1953، كما عاد بعدها إلى مجلس الأمة عندما عين عضواً في مجلس الأعيان الأردني عام 1964، وبعد ذلك أصبح نائباً لرئيس مجلس الأعيان، وقد استمر في مجلس الأعيان حتى عام 1984. وكانت له نشطات عديدة على صعيد الساحة الفلسطينية، فساهم في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وكان عضواً في أول مجلس وطني فلسطيني عام 1964 والذي عقد حينها في مدينة القدس.

اهتم حكمت المصري بمدرسة النجاح التي تخرج منها، فعمل مع كوكبة من أبناء نابلس على تطوير مدرسة النجاح، والتي كانت قد تحولت إلى دار معلمين حينها، وبذلك تأسست جامعة النجاح، والتي كان لها أثر كبير في النهضة العلمية في الضفتين، وقد بدأت بقبول الطلبة عام 1977، فكان أول رئيس لمجلس أمناء الجامعة، وعمل على دعم تطوير الجامعة بشكل كبير ومتواصل.

 وقد نال خلال حياته وتقديراً لجهوده ومكانته وسام النهضة، وبقي من رجالات الوطن الكبار الذين كانوا بناةً ومؤسسين، ولم يترجل عن صهوة العمل والانجاز حتى وفاته عام 1993، وشكلت وفاته خسارة وطنية كبيرة، وقد بقي نهجه الوطني حياً من خلال ابن أخيه طاهر المصري  رئيس مجلس الأعيان حالياً ولأكثر من دورة سابقة.
جريدة الرأي

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :